الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مناداته كما يدعو بعضهم بعضا في اللفظ أو في الهيئة . فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا : يا محمد ، أو يا ابن عبد اللّه ، أو يا ابن عبد المطلب ، ولكن يا رسول اللّه ، أو يا نبيء اللّه ، أو بكنيته يا أبا القاسم . وأما في الهيئة فبأن لا يدعوه من وراء الحجرات ، وأن لا يلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم ، كما جاء في سورة الحجرات . لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . فهذا أدب للمسلمين وسدّ لأبواب الأذى عن المنافقين . وإذ كانت الآية تحتمل ألفاظها هذا المعنى صح للمتدبر أن ينتزع هذا المعنى منها إذ يكفي أن يأخذ من لاح له معنى ما لاح له . و بَيْنَكُمْ ظرف إما لغو متعلق ب تَجْعَلُوا ، أو مستقرّ صفة ل دُعاءَ ، أي دعاءه في كلامكم . وفائدة ذكره على كلا الوجهين التعريض بالمنافقين الذين تمالئوا بينهم على التخلف عن رسول اللّه إذا دعاهم كلما وجدوا لذلك سبيلا كما أشار إليه قوله تعالى : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [ التوبة : 120 ] . فالمعنى . لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كما جعل المنافقون بينهم وتواطئوا على ذلك . وهذه الجملة معترضة بين جملة : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النور : 62 ] وما تبعها وبين جملة : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً . وجملة : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً استئناف تهديد للذين كانوا سبب نزول آية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النور : 62 ] الآية ، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين . وقد علمهم اللّه وأطلع على تسللهم . ( وقد ) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متستّرين لم يطلع عليهم النبي فأعلمهم اللّه أنه علمهم ، أي أنه أعلم رسوله بذلك . ودخول ( قد ) على المضارع يأتي للتكثير كثيرا لأن ( قد ) فيه بمنزلة ( رب ) تستعمل في التكثير ، ومنه قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [ الأحزاب : 18 ] وقول زهير : أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنه قد يهلك المال نائله و الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ هم المنافقون . والتسلل : الانسلال من صبرة ، أي الخروج منه بخفية خروجا كأنه سلّ شيء من شيء . يقال : تسلل ، أي تكلف الانسلال مثل ما يقال : تدخل إذا تكلف إدخال نفسه . واللواذ : مصدر لاوذه ، إذا لاذ به ولاذ به الآخر . شبه تستر بعضهم ببعض عن اتفاق